الملا فتح الله الكاشاني
67
زبدة التفاسير
وقيل : إنّ المشركين سألوه عن الروح الَّذي هو القرآن ، كيف يلقاك به الملك ؟ وكيف صار معجزا ؟ وكيف صار نظمه وترتيبه مخالفا لأنواع كلامنا من الخطب والأشعار ؟ وقد سمّى اللَّه القرآن روحا في قوله : * ( وكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً ) * « 1 » . فقال سبحانه : قل يا محمّد إنّ الروح الَّذي هو القرآن من أمر ربّي ، أي : من وحيه وكلامه ، ليس من كلام البشر ، ولا ممّا يدخل في إمكانهم . * ( وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ) * تستفيدونه بتوسّط حواسّكم ، فإنّ اكتساب العقل للمعارف النظريّة إنّما هو من الضروريّات المستفادة من إحساس الجزئيّات ، فلذلك قيل : من فقد حسّا فقد فقد علما ، وأكثر الأشياء لا يدركه الحسّ ، ولا شيئا من أحواله المعرّفة لذاته . وهو إشارة إلى أنّ الروح ممّا لا يمكن معرفة ذاته إلَّا بعوارض تميّزه عمّا يلتبس به . كما قيل : إنّه جسم رقيق هوائيّ متردّد في مخارق الحيوان . وهو مذهب أكثر المتكلَّمين . واختاره علم الهدى قدس سرّه . أو جسم هوائيّ على بنية حيوانيّة ، في كلّ جزء منه حياة . أو الحياة الَّتي يتهيّأ به المحلّ لوجود القدرة والعلم والاختيار . وهو مذهب الشيخ المفيد وجماعة من المعتزلة . وغير ذلك من الأقاويل الَّتي لا يعلم بها كنهه ، فلذلك اقتصر على الجواب ، كما اقتصر موسى في جواب * ( وما رَبُّ الْعالَمِينَ ) * « 2 » بذكر بعض صفاته . روي أنّه عليه السّلام لمّا قال لهم ذلك قالوا : أنحن مختصّون بهذا الخطاب ؟ فقال : بل نحن وأنتم . فقالوا : ما أعجب شأنك ! ساعة تقول : * ( ومَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) * « 3 » . وساعة تقول هذا . فنزلت . وليس ما قالوه بلازم ، لأنّ القلَّة والكثرة تدوران مع الإضافة ، فيوصف الشيء بالقلَّة مضافا إلى ما فوقه ، وبالكثرة مضافا إلى ما تحته ،
--> ( 1 ) الشورى : 52 . ( 2 ) الشعراء : 23 . ( 3 ) البقرة : 269 .